الثلاثاء، 1 مايو، 2012

50 - اليوم الأخير ونهاية رحلة لاتنسى


خمسة أيام ويكمل زمن عودتنا من السفينة الشهرين، ولكنني إلى الآن لم أكتب أحداث اليوم الأخير على ظهر السفينة، واليوم الأخير لهذه التجربة الفريدة من نوعها. ما إن وطأت أقدامنا أرض وطننا العزيز حتى بدأت المهام والأشغال تنهمر علي من كل مكان، وكأنها كانت مترقبة مترصدة لعودتي. سأكمل عن ماحدث بعد وصولنا إلى البحرين لاحقا، وأريد الآن أن أكتب أحداث اليوم الأخير. يوم لا أزال أذكر كل تفاصيله وكأنها حدثت بالأمس.
اليوم الأخير لم يبدأ من الصباح، فقد كان في عجلة من أمره لدرجة أنه دخل في ليل اليوم الذي يسبقه. بعد الانتهاء من حفلة المجموعة، ذهبت إلى قاعة الساكورا، لأرى منظرا لم أر مثله منذ بداية البرنامج. كان معظم المشاركين موجودون في القاعة تاركين قاعة الفيراندا والإميرالد خاليتين تقريبا. كان الجميع جالسا يحاول أن يستغل اللحظات الأخيرة من البرنامج خير استغلال مع أناس أصبحوا كعائلته واحتلوا مكانا في قلبه في أقل من شهرين. جلست مع العديد من الأشخاص والأصدقاء كأخي العزيز عبدالخالق من سريلانكا. أجل أعتبره أخي فهو نعم الإنسان المسلم الملتزم المحبوب من الجميع. و"دوران موي" من نيوزلاندا، و"دانييل" و"ماتيوس" من البرازيل، وغيرهم الكثير. كنا نسامر مستمتعين حتى جاءت لحظة رائعة ممتعة من الجنون، فقد استخدمنا علبة بطاطس فارغة (برنغلز) كمضرب، ولعبنا لعبة الكريكت في القاعة التي من المفترض أن تكون قاعة رئيسية خالية من الإزعاج والطعام، ولكن كنا في آخر يوم ولم نكن نفكر بأي شيء سوى الاستمتاع باللحظات الأخيرة معا. لعبنا الكريكت، وشاركنا مجموعة من المشاركين في ذلك. وبعد ذلك أردنا أن نلعب لعبة بحرينية كثيرا مالعبناها في الأحياء و"الدواعيس"، لعبنا لعبة "القواطي". وهي باختصار أن يكون لكل لاعب كأس (قوطي) يجب عليه أن يحميه من الكرة، ويلعب جميع اللاعبين كرة قدم عادية ولكن بهدف إسقاط الكؤوس (القواطي). كانت هذه اللحظات من أمتع اللحظات التي مرت علي في السفينة. ودبت الحركة في جميع أطراف القاعة، فالجميع يجري خلف الكرة ويحاول في نفس الوقت حماية كأسه. انتهينا من اللعبة وكنت أنا الفائز -طبعا- .
بعد ذلك رجعنا إلى مقاعدنا للراحة قليلا، فجاءت لحظة أخرى من الجنون الممتع، فقمنا بتمثيل برنامج حوار تلفزيوني وقمنا أنا وعبدالخالق ودوران بدور لجنة التحكيم التي تسأل أسئلة ساخنة ومحرجة، وبدأنا باستجواب العديد من المشاركين، فقضينا وقتا ممتعا جدا.
بعد الانتهاء من ذلك أردت مناقشة عبدالخالق في بعض المواضيع التي أثيرت في مواقف سابقة واتفقنا على تأجيلها إلى وقت آخر، فلم نرد أن ينتهي البرنامج دون مناقشتها. تناقشت معه حول قضية فلسطين والكيان الصهيوني، ودور حماس في الأوضاع الراهنة. وسألني عن موضوع المذاهب في الإسلام والشيعة على وجه الخصوص. كانت جلسة حوارية جميلة تبادلنا فيها العديد من الأفكار. بعد جلسة حوارية طويلة أردنا أن نأخذ قسطا بسيطا من الراحة لكي نقوى على آخر صباح في هذا البرنامج.
استيقظنا صباح اليوم الثاني بعد سويعات قليلة جدا من النوم. وتناولنا آخر وجبة على ظهر السفينة، وقد كانت أكثر وجبة من ناحية عدد الموجودين في المطعم، فقد كان جميع المشاركين يتناولون الإفطار وبداخلهم مشاعر لا يمكن وصفها. وبدأت أولى لحظات الوداع، فقد كانت الوفود النيوزلندية والكندية أوائل الوفود المغادرة. بدأت أولى لحظات الوداع بأداء مهيب رائع من المشاركين لصيحة أو رقصة الهاكا النيوزلندية التقليدية التي تعلمناها من أعضاء وفدهم، وهي رقصة حماسية تاريخية تؤدى قبل المعارك بهدف تشجيع النفس وبث الرعب في نفوس الخصوم. كان الأداء رائعا من الجميع فقد أدينا هذه الرقصة كثيرا من قبل، ولكن هذا الأداء كان هو الأداء الأخير، وهو الأداء الوداعي لأحد أفضل الوفود وأكثرها احتراما وأعزها على قلبي. بعد الرقصة بدأ الجميع بتوديع هذين الوفدين، وبدأت أنهار الدموع وأصوات البكاء يملؤون القاعة. كان موقفا مؤثرا بالفعل. أناس عشنا معهم وقضينا معهم أوقاتا رائعة خلال خمسين يوما، ولكن هذه هي سنة الحياة.
بعد ذلك بدأت الوفود الواحدة تلو الأخرى بالمغادرة، وكان بالطبع أكثرها حزنا على قلبي الوفد البيروفي الذي يضم زميل غرفتي وأعز أصدقائي "ميغيل"، والوفد السريلانكي الذي يضم أخي العزيز الذي قال لي كلمة مازالت ترن في أذني إلى الآن وتشعرني بالفخر والفرح، فقد قال:"قبل المجيء كنت أدعو أن يكون هناك مسلمون على ظهر السفينة يعينونني على العبادة ويثتونني على الصواب وعدم الانجراف نحو الخطأ، وكنت أنت ياأحمد وأعضاء وفدكم استجابة لدعواتي الكثيرة". كلمات رائعة تجعلني أطير من الفرح، وتجعلني أشكر الله تعالى على أن وفقنا وثبتنا في هذا البرنامج على الطريق الصحيح، وعصمنا من الانجراف وراء الملذات المحرمة الكثيرة على ظهر السفينة.
بعد وداع مؤثر جدا، وأداء جماعي رائع لرقصة "السوران" وهي رقصة صيادي السمك في اليابان،وقد اشتهرت على ظهر السفينة كذلك. توجهنا إلى المطار لمغادرة اليابان، وفي المطار فرحنا كثيرا بقدوم أعضاء الوفد البرازيلي لوداعنا، فقد كان موعد رحلتهم بعد موعدنا بفترة، فجاءوا من مبنى آخر فقط لرؤيتنا، وكأننا صرنا لا نقوى على فراق بعضنا البعض. قضينا وقتا رائعا في تذكر أحداث السفينة أثناء تناول وجبة العشاء. ثم ودعناهم مرة ثانية لبدء رحلة العودة إلى وطننا الغالي.
لم نفتتح طريق عودتنا بخير، فقد بدأناه بإجراءات تعسفية من موظفي الجمارك اليابانيين فيما يتعلق بوزن أمتعتنا. بدأنا حربا معهم، واستطعنا بعد مجموعة من الحيل الانتهاء من الاجراءات الرسمية. كانت هذه التجربة غاية في الغباء بالنسبة لنا، فهم كانوا يحفظون الكلام ويطبقونه من دون تفكير، لدرجة أن حقيبة الكاميرا لرئيس وفدنا منعوها من الصعود على ظهر الطائرة لثقل وزنها، فما كان منه إلى أن أخرج الكاميرا ووضعها على كتفه ثم وزن الحقيبة الخالية فقبل موظفو الجمارك إدخالها، وبالإمكان القياس على ذلك.
بعد ذلك بدأت رحلة العودة على ظهر الطائرة وكانت رحلة العودة مليئة بالنقاشات والذكريات والمواقف الرائعة في البرنامج. وصلنا إلى دبي ثم انطلقنا عائدين إلى أرض الوطن الحبيب. وكم كانت ساعدتنا كبيرة بتكحيل عيوننا برؤية أهالينا الذين استقبلونا في المطار. كان شعورا رائعا جدا، شعرت بأنني أمشي في الهواء من الفرحة، ولم أستطع الانتظار للبوح بكل التجارب والمواقف التي حصلت على ظهر السفينة.
أعتقد بأن أهلي -وأهل جميع المشاركين- قد أصابهم التشبع والضجر بعد أقل من يوم واحد، بسبب كثرة الكلام والحديث عن البرنامج. وبدأنا بعد ذلك فترة صعبة جدا، هي فترة العودة إلى الحياة الطبيعية، مرت أيام كثيرة ولم أكن أفكر بشيء سوى السفينة، كل شيء حولي يذكرني بموقف أو شخص من البرنامج. أعتقد بأنني لا أستطيع إلى الآن منع نفسي من التفكير بتلك الأيام الجميلة والرائعة على ظهر السفينة.

أكتب هذه الكلمات قبل ليلة من نشاط في جامعة البحرين سنعرض فيه بإذن الله تجربتنا في هذا البرنامج، أسأل الله أن يوفقنا لكل خير.

وأختم مدونتي هذه عن البرنامج بشكر لله عز وجل على أن وفقنا لتمثيل ديننا ووطننا خير تمثيل، وأن أعاننا وصبرنا وثبتنا على الطريق القويم هناك، وأن أبعدنا عن الكثير من الفتن والملذات المحرمة الموجودة على ظهر السفينة. وأسأل الله تبارك وتعالى أن يكتب لنا كل ماقدمنا وقلنا وفعلنا في موازين حسناتنا يوم القيامة، وأن يكتب لما قلنا وفعلنا القبول في نفوس المشاركين وأن نكون سببا في هدايتهم إلى الطريق القويم. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أحمد العوضي
1/5/2012