السبت، 17 ديسمبر، 2016

خاطرةٌ من حياةٍ جديدة

حياتان جديدتان تبدآن مع بداية كل حياة جديدة، فمع قدوم أي مولود تتغير حياتَيْ والدَيْه إلى الأبد. موضوع يسهل تصوره وتخيله على جميع الناس ولكن لن يعرف حقيقته إلا من بدأ حياته الجديدة، حياة الأبوة.
بدأَتْ حياتي هذه منذ أقل من شهرين فدفعني ما أراه أمامي من تغيّر إلى التفكير في بداية حياة الأبوة لدى والديّ وجميع الوالدين.
مخلوق صغير يتحول -بقدرة الله تعالى- من خيال إلى مظهر يُرى على جسد الأم، ثم فجأة يكون حقيقة ملموسة أمام الناس. مخلوق ضعيف لايفقه شيئا ولايقدر على شيء، لايقدّم شيئا لمن يرعاه سوى التعب والنصب والأرق. ولكن فطرة الله تعالى هي حب هذا المخلوق، فيتلاشى تعب الرعاية وسط محيط الحب والعطف فيصبح من المستحيل أن يفضل الوالدان راحتهما على أي شيء يتعلق بهذا المولود حتى وإن كان مجرد الوقوف أمامه في الأوقات اليسيرة التي يكون فيها مستيقظا. ولا أشك أبدا بأن هذا الحال سيستمر ولن يتغير فيه شيء سوى مظاهره، فالمولود سيكبر ويكبر معه تعب والديه على تربيته، ويكبر ويكبر قلق والديه على مستقبله، ويكبر ويكبر حبهما له، ويكبر ويكبر فخرهما به.
عندما أحمل ابني بين يدي أتخيل كيف كنتُ وكيف تعب والداي وضحوا من أجلي، فأتأثر أشد التأثر وأدعو الله أن يوفقني لبرهما وإسعادهما ماحييت. وأتخيل كذلك حال كل بني البشر وهم في هذه المرحلة من حياتهم، كيف يمكن لمخلوق كهذا أن يتكبر على الآخرين؟ كيف يمكن لهذا المخلوق أن يتحول إلى مجرم طاغية؟ بل كيف يُمكن أن يعامل هذا الضعيف العاجز والديه بقلة أدبٍ وجفاء؟ أتخيل وأفكر، ثم أتذكر بعضاً من المواقف التي شاهدتها أو سمعت عنها. أشخاص يتطاولون على والديهم بالضرب أو الصراخ لا لشيء سوى أنهم أزعجوهم بطلباتهم وسؤالهم عنهم، يستشيطون غيظا وغضبا لأن من سهر لأجلهم الليالي يأخذ دقائق من وقتهم. أشخاص ينامون بين أبنائهم وهم يعلمون أن والديهم بحاجة إلى خدمة منهم، أو هناك مايضايقهم.
أتفكر في هذا الموضوع من ناحية إنسانية بحتة فأرى أنه من غير المعقول أن يتحول هذا المخلوق الضعيف إلى هذا الكائن الميت روحيا الجاحد لمن قدم له أعظم فضل في حياته. فإذا أضفنا على ذلك وجوب بر الوالدين في ديننا وفضل البار بوالديه لدرجة أن الرسول ﷺ قال: ((رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه، قيل من يا رسول الله قال من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة)). فكيف يجرؤ شخص على عدم احترام والديه، وكيف نحترم نحن شخصاً عاقاً بهما سيء الخلق معهما؟
هذه خاطرة تدور في ذهني كلما شاهدت ابني الصغير، فأدعو الله تعالى أن يجعلني وإياه بارين بوالدينا.
وأدعو كل من لايزال يقرأ المقال أن يتفكر في حاله، فيحمد الله على ماهو فيه من خير، ويصحح وضعه قبل فوات الأوان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق