الجمعة، 27 يناير، 2012

07 - يوم الكارثة، ووداع عائلتي


يوم مميز كالعادة -إلى الآن-، استفدت منه الكثير، والتقيت فيه مع العديد من الأصدقاء الجدد، وقوِيَت علاقتي مع العديد من أصدقائي الآخرين. بدأ يومي بإفطار جميل آخر مع عائلتي اليابانية، استمتعت فيه بآخر يوم معهم. بعدها أوصلنا ميو (الأخت) إلى المدرسة لأن لديها امتحانا في اللغة الإنجليزية. كان لدينا مزيدا من الوقت قبل موعد العودة إلى الفندق فذهبنا إلى محل للأدوات المنزلية والحيوانات الأليفة، فشاهدنا أنواعا من الحيوانات المنزلية كالسلاحف والسمك والفئران، إضافة إلى مجموعة من الكلاب التي تتراوح أسعارها بين الخمسمئة والسبعمئة دينار. قضينا الوقت المتبقي في المحل وشاهدت فيه بعض السلع الموجودة هناك.
بعد ذلك عدنا إلى الفندق لبدإ برنامجنا القادم مع مجموعة من الطلبة اليابانيين، عند وصولنا فرحت كثيرا بمشاهدة أصدقائي البحرينيين فقد أحسست بأننا قد افترقنا لأسابيع، ثم بدأ كل منا يعرف الآخرين بعائلته الجديدة. بعد ذلك ودعنا عوائلنا وداعا بسيطا إلى لقاء قريب في عشاء الوداع، وبدأنا برنامجنا الجديد بغداء مع مجموعة من الطلاب اليابانيين بجامعة المقاطعة (واكاياما)، في هذا الغداء تعرفت على مجموعة من الطلاب اليابانيين، واستطعنا بفضل بشاشتهم وطيبتهم كسر الحواجز والكلام عن الكثير من الأمور.
بعد الغداء بدأنا رحلتنا مع الكوارث، فقد ذهبنا إلى مركز الإطفاء في المنطقة وشاركنا في محاضرة لمسؤول المحطة، تكلم فيها عن الكارثتين الّتين حلّتا في اليابان، حيث أن اليابان قد تلقّوا ضربة تسونامي قوية ناتجة عن زلزال قوي بلغ أقوى درجة حسب المقياس الياباني ضرب شواطئها، وبعد فترة بسيطة من ذلك الزلزال، وما إن بدأوا بالعمل لإعادة البناء، أصابهم إعصار قوي فضاعف الإصابات، وكانت نتيجة ذلك أودى بحياة العديد من اليابانيين، وأدى إلى تشرد مئات الآلاف، إضافة إلى عمل عجز ضخم للطاقة. شرح لنا رئيس مركز الإطفاء الحادثتين وأرانا صورا منهما، ذهبنا لمشاهدة بعض المناطق المصابة بالزلزال والإعصار، فشاهدنا شيئا عجيبا جدا، شاهدنا جبالا ضخمة قد انهارت وأصبحت شلالا من دون ماء، لا أعتقد بأنني شاهدت مشهدا مثل هذا من قبل.
وبناءا على محاضرة رئيس مركز الإطفاء ومشاهداتنا لأماكن الكوارث، ذهبنا إلى قاعة كبيرة، وتوزعنا إلى مجموعات لمناقشة كيف يمكن للشباب أن يساهموا في التقليل من أضرار الكوارث عبر التطوع والتعاون الدولي وغيرها من الأمور. الذي أشعرنا بأهمية هذه الجلسة النقاشية بالنسبة لمنظمي البرنامج هو أن من افتتح الجلسة كان نائب رئيس جامعة واكاياما، وقد افتتحها بكلام جميل عن التعاون الدولي، واحترام الاختلاف وما إلى ذلك. بعدها بدأنا بالحوار وكان حوارا رائعا ومثمرا ركزت فيه مجموعتنا من خلاله على أهمية العقلية الإيجابية في حياة الإنسان، وأخذنا التجارب اليابانية في العودة من الكوارث كمثال على ذلك.
بعد الحوار عرضت كل مجموعة نتيجة نقاشها، ثم علق سعادة نائب رئيس جامعة واكاياما على الأفكار والأطروحات التي طرحت، وأثنى على تفاعل الجميع. بعد هذا ودعنا أصدقائنا من جامعات المنطقة وداعا حارا رغم الفترة القصيرة التي قصيناها مع بعضنا.
لم يكن هذا هو الوداع الحقيقي في يومنا هذا، فقد كنا بانتظار العشاء الختامي، الذي سنودع فيه عائلاتنا اليابانية. وقبل الحديث عن العشاء الختامي، أود أن أتكلم قليلا عن أحاديث أعضاء الوفد الجانبية لهذا اليوم، فقد كان هذا كل ما نقوم به في فترات الراحة لهذا اليوم. اكتشفنا من خلال الأحاديث أن كل شخص منا قد خاض تجربة فريدة من نوعها، فالبعض سكن مع عائلة راقية دللته بكل المقاييس، والبعض الآخر قد خاض تجربة مريرة لاقى فيها العديد من سوء المعاملة والتهميش من قبل صاحب المنزل الذي سكن به، وبين هذا وذاك كانت التجارب، ولكل منها فوائد وعبر عديدة ومواقف لايمكن نسيانها. كان حديثنا الجانبي في هذا اليوم وبكل معنى الكلمة لايُنسى، كان ممتعا وشيقا إلى حد أننا قضيننا الليل بطوله في الحديث عن هذه التجربة الفريدة من نوعها، والتي لن ينساها أي أحد منا.
نعود إلى برنامجنا اليومي، فبعد الجلسة النقاشية ذهبنا إلى المركز للاستعداد للعشاء الختامي الذي سيشمل إضافة إلى وداع عوائلنا عروضا بسيطة لشيء من ثقافتنا الشعبية. ارتدينا ملابسنا الشعبية واستعددنا لأداء القرقاعون أمام الجميع. بمجرد خروجنا من غرفة تبديل الملابس، أحسسنا بإحساس وطني غريب، إحساس لا أستطيع وصفه، احساس الفرحة والافتخار بوطننا، فقد كانت نظرات إعجاب الجميع موجهة إلينا وإلى لباسنا. دخلنا القاعة وجلسنا مع عائلاتنا على الطاولات وبدأ الحفل بالكلمات الرسمية. وبعدها واجهنا (أعضاء الوفد) أول اختبار لنا، فقد أراد اليابانيون تقديم شيء لنا من الثقافة الشرقية، فلم يجدوا سوى الرقص الشرقي كفيلا بذلك -وللأسف-، بالطبع خرجنا جميعا من القاعة، وبدأنا بأخض صور تذكارية لنا خارج القاعة، وخرج معنا بعض اليابانيون ليلتقطوا صورا معنا، فحصلنا على وقت جميل خارج القاعة. بعد الانتهاء من هذه الفقرة تناولنا وجبة العشاء المكونة من طبق وحيد بالنسبة لنا، ألا وهو السمك، سبب ذكري لهذه المعلومة سأذكره في النهاية. بعد وجبة العشاء حان دورنا فذهبنا وغنينا أغنية القرقاعون، ففرح الجميع وعم الحماس القاعة. بعد ذلك قدم الوفد التركي الذي رافقنا إلى محافظة واكاياما فقرته والتي هي عبارة عن مجموعة من الرقصات التركية الشعبية.
بعد ذلك كانت لحظات توديع العوائل، فشكرت عائلتي كثيرا، وبينت لهم مدى سعادتي بأن كنت معهم، وفي المقابل قدموا لي هديتين بسيطتين بقيمتهما قيمتين بالنسبة لي (لي ولعائلتي). ثم ألبست "أخي" الصغير ثوبي والتقطنا بعض الصور، وكذلك فعلت مع "أبي". كانت بالفعل لحظات رائعة بالنسبة لي.
ذكرت بأن الطبق الوحيد بالنسبة لنا في العشاء كان طبق السمك. بعد الوداع قدمت لي عائلتي كيسا كبيرا، وأخبروني بأنهم يعلمون أنني وجميع أعضاء وفدنا لايأكلون إلا الحلال، فتوقعوا أننا لن نستطيع أن نأكل من الأطباق، لهذا فقد اشتروا لنا طعاما بسيطا منوعا. كانت بالفعل حركة لطيفة منهم، بينت لي كيف أن الاهتمام ومراعاة مشاعر الناس وآرائهم، له عظيم الأثر في قلوب الجميع.
في نهاية هذا اليوم كانت فرحتي العظمى، فقد حصلت على شبكة إنترنت، واستطعت من خلالها أن أتواصل مع عائلتي وأصدقائي. كحَّلت عينيّ برؤية الشمس والقمر، وكلمت صديقي الذي دائما مانكون معا في البحرين، وكلمت أصدقائي واطمأنيت على أوضاع الأهل والبلد. بالطبع دفعت ثمن هذه الأمور، فقد كان نصيبي من النوم لهذه الليلة بسبب فارق التوقيت بين اليابان والبحرين 3 ساعات فقط.

أحمد العوضي
22/1/2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق